مجلة الأدب والشعر
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مجلة حروف من الياسميبن *** " دراسات نقدية : إشكالية الرمز والعلامة " بقلم / صالح هشام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
voller-9
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1148
تاريخ التسجيل : 05/08/2015
العمر : 47
الموقع : www.Facebook.com

مُساهمةموضوع: مجلة حروف من الياسميبن *** " دراسات نقدية : إشكالية الرمز والعلامة " بقلم / صالح هشام    الإثنين نوفمبر 23, 2015 12:02 pm



دراسات نقدية : إشكالية الرمز والعلامة
بقلم الأستاذ : صالح هشام
١٧~٨~٢٠١٥ الرباط

في دراستنا لمستويات الرؤية الرمزية ،يستوجب علينا وبالضرورة التطرق إلى التعريف أولا وقبل كل ، شيء بالرمز وبماهيته ،كمايجب في هذا التعريف تقصي حقيقته في جدور اتفكير البشري ،الذي لم ينح للرمز عبثا سوا كان ذلك بشعور منه وإرادة واختيار أو كان ذلك اصطراريا بعيدا عن الفكر ،ومستقلا استقلالا خارجا عن الإرادة الإنسانية ،وتبعا لهذا وقبل التطرف مباشرة للكشف عن الدلالات الرمزية في المتن الحكائي ، رأينا أن نوجز الكلام ،في هذه النقطة ، والتي تليها عن الرمز من خلال مقارنته بالعلامة ،لتلافي الخلط بينهما ،وذلك من خلال آراء المهتمين بدراسة الثقافة الانسانيةوبالتالي ،كان من الضروري التطرق إلى الرمز في التفكير البدائي خصوصا وأن طبيعة الموضوع تقتضي ذلك ،لأننا بصدد عنصر جماعي ضارب ،في أعماق البدائية ،ألا وهو الكحاية الخرافيةالتي تضاهي الأسطورة ،رغم الاختلافات البسيطةبينهما على مستوى البنية أو ظروف النشأة .
ذلك لأن عدم معرفة الرمز تقف أمامنا كعائق يصدنا عن الكشف عن دلالات الكحاية مثلا وبالتالي لا نتمكن من تأويل هذه الشبكة الخيطية من الرموز والصور والدلالات كما أننا لا نتمكن من تأويل ظواهر الحكاية إلى الرموز التي تناسبها إذ يترتب عن ذلك انزلاقنا في هفوة التأويل الخاطيء والتفسير الذي ليس في محله .

ولكن كيف تتم عملية تعريف الرمز ؟ هل يمكن دراسته بمعزل عن نقيضه أوما يطابقه ؟في الحقيقة تواجهنا صعوبات كبيرة في الوقت الذي نحاول فيه التعريف بالرمز كخاصية من الخصائص المقصترة على الفكر البشري ،دون غيره من الخصائص الاخرى التي يشترك فيها الإنسان والحيوان سواء بسواء ،وتبعا لهذه الإشكالية يقتضي التعريف بالرمز أخذه بالدراسة من خلال مطابقه أو نقيضه أي العلامة .
دفعت التفرقة بين العنصرين إلى نقاشات حادة بين الباحثين ،حيث ذهب البعض إلى القول بأن التطابق بينهما أمر لا جدال فيه وذهب البعض الاخر إلى الاقرار بوجود فوارق بينهما .هذا الاختلاف راجع بالدرجة الأولى إلى أن الفرق بسيط جدا بينهما اءيكاد يضمحل في بعض الاحيان ،

هناك من يعتبر أن الرمز هو العلامة في حين يذهب البعض الآخر إلى اعتبار الرمز خاصية من خصائص التفكير البشري وحده ،دون غيره ،في حين أن العلامة قاسم مشترك بين الإنسان والحيوان في الوقت نفسه ،حيث ينتمي الرمز إلى عالم المعاني الخاصة بالانسان وحده في حن تنتمي العلامة إلى العالم المادي ،ولا تخرج عن عالم المحسوسات ،وبالتالي تنتمي إلى العالم الفزيائي ،وتبعا لهذه المسألة فالإنسان والحيوان يشتركان في العلامة اشتراكا لا ينفصلان فيه ، أما بالنسبة للرمز وحده الحيوان الرامز كما لقبه بذلك( كون) . وليس هذا راجع لشيء إلا لكون الانسان يختلف عن الحيوان في عملية الإدراك ، حيث يتجاوز المحسوسات والمرئيات إلى أشياء أخرى أبعد من ذلك ولا تدرك بأم العين أو بحاسة من الحواس ،والتي لا يمكن الاهتداء إلى معرفتها إلا إذا سلك فيها مسلك المعرفة الحدسية intuition ورغم هذا فإن التطابق بين هذين العنصرين لا يمكن الحسم فيه ، إلا بمعرفة نوعة الفوارق بينهما معرفة علمية دقيقة ،لأن الرمز ليس هو العلامة والعلامة ليست هي الرمز .

فكاسيرر : يذهب في مسألة التفرقة بينهما مذهبا يقوم على ربط الرمز بعالم المعاني الخاص بالإنسان ،،في حين ان العلامة ترتبط بالعالم المادي والقاسم المشترك بين الإنسان والحيوان هو إدراكهما للعالم المادي معا ، ويقول كاسيرر في هذا الصدد :"فالعلامة جزء من العالم الفزيائي والرمز بضعة من الإنساني الخاص بالمعنى والعلامات بحسب فهمها ،وتوظيفها ضرب من الوجود الفزيائي المادي ، أما الرموز فقيمتها وظيفية فحسب ،وللحيوان خيال وادراك عمليان ، في حين ان الانسان وحده هو الذي كشف عن شكل رمزي جديد للخيال والإدراك 1* .

انطلاقامن هذا المنظور يتضح لنا أن الرمز خصيصة متعلقة بالحيوان الرامز لانها تشكل جهازه الثالث فضلا عن جهازي : الإرسال والاستقبال ،فلا يمكن فيه أن يشترك مع الحيوان لأنهما لا يتساويان في جهازي الإرسال والاستقبال ، فالعقل البشري وحده القادر على الترميز ،لكون عنصر الرمز جزء من عالمه الخاص ،أي عالم المعاني ، عكس العلامة التي لا تقتصتر على الكائن الإنساني وحده ،فالإنسان يفوق الحيوان في المعنى لأنه من خصائصه الفكرية ،والخلط بين الرمز والعلامة لا يمكن أن يتم بناء على هذه الفروق الواضحة بينهما وبالتالي لا يتماشى مع النفس الإنسانية ،والجهاز العقلي الرامز ذلك لانه يتجاوز الحيوانةفي كيفية التعبير عن الموقف ن خلال الرمز بالشيء المحسوس الذي لا يفهم كشيء محسوس لأننا نتجاوزه بإدراكنا العقلي ، إن سلوك الإنسان للرمز بهذا الشيء يحيل إلى شيء مجهول ،وهذه اإحالة بطبيعة الحال لا يمكن ان تأتي الا عن طريق الرمز الذي يفقد جمالياته ،في حالة الاحالة بشيء آخر غيير الرمز اذ يموت ويفنى ،فالرمز هو العامل الأساسي في الثراء اللغوي الذي ينتقل فيه الانسان من المستوى المحسوس إلى المستوى الرمزي ،خصوصا وأن نفسية الإنسان ميالة إلى خلق عوالم أخرى محادية لعالمه الواقعي هذا النزوع للوصول إلى عوالم مثلى لا يتم إلا عن طريق الإحالات الرمزية .

،أما العلامة واعتبارا لكونها تنتمي( حسب ما ذهب إليه كاسرر ) إلى العالم المادي الفزبائي فهي نفعية تساعد الانسان على السلوك في الحياة الاجتماعية عكس الرمز الذي ينتمي إلى عالم المعاني ،اذ يسلعد الانسان على التعبير عن اشياء تتجاوز اهو واقعي ما هو محسوس الى عوالم اخرى أبعد من ذلك هءه العوالم التي تبدو اكثر تجريدا وان كانت تعكس العالم المادي والواقعي ، ولن يس ذلك بالميفية المحسوسة ،وانما عن طريق الاحالة الرمزية باعتبار الرمز ينتمي الى العالم المعنوي الذي لا يمكن ان يكون الا من اختصاص الانسان وحده .

وهذه الوظيفة الرمزية هي التي أدت إلى خلق اللغة وفتحت أمام الإنسان ابواب معرفية جديدة تتعذر على الحيوان .لان الانسان يتميز عنه بكونه يملك إضافة إلى منظومة التأثير الحسي التي يشترك فيها مع الحيوان ،منظومة اشارية كلامية ،يمكن ابقول بأنها نشأت بعد المنظومة الحسية تاريخيا ،وبالإستناد إليها وبالعمل جنبا إلى جنب *2.

وبرجوعنا إلى أعمال دو سوسير اللغوية تتضح لنا ماهية العلامة والرمز وظى الفوارق الموجودة بينهما ،فدو سوسير يذهب الى ان اللغة : ليست مجرد أنسقة من العلامات والتي لا يمكن أن يميز فيها بين ما يلي :
-العلامة اللغوية لا تربط شيئا ما باسم ما ، وتبعا لهذا تكون اللغة بعيدة كل البعد عن فهمها مجرد تحويل الواقع ،معنى هذا تحويلها من المجال العيني إلى المجال المجرد -العلامة اتحاد الصورة صوتية وهي ما يسمى بالدال وهذا العنصر في رأيه ينتمي إلى العالم المادي ،لكونه عبارة عن أصوات وحركات وصور محسوسة ، والدال يتحد بالمدلول باعتباره يتحدد على على مستوى المحتوى ، أو المضمون الفكري كشيء أو كموضوع 3*.
وبرجوعنا الى اعمال دو سوسير اللغوية تتضح لنا ماهية العلامة والرمز ومدى الفوارق الموجودة بينهما فدو سوسير يذهب إلى أن اللغة ليست مجرد أنسقة من العلامات التي لا يمكن أن يميز فيها بين مايلي :
-العلامة اللغوية لا ترتبط باسم ما ، وتبعا لهذا تكون اللغة بعيدة كل البعد عن فهمها، مجرد تحويل الواقع ،معنى هذا تحويلها من المجال العيني إلى المجال المجرد.

-العلامة اتحاد لصورة صوتية هي ما يسمى بالدال وهذا العنصر في رأيه ينتمي إلى العالم المادي لكونه عبارة عن اصوات وحركات وصور محسوسة .والدال يتحد بالمدلول باعتباره يتحدد على مستوى المحتوى او المضمون الفكري لا كشيء او كموضوع 4*

وبهذا المعنى نجد أن العلامة تتكون من العنصرين :الدال والمدلول اللذان يتلاحمان تلاحما كبيرا لا يمكن الفصل بينهما ،إما الرابط بينهما على مستوى العلاقة فهو الدلالة وهذا الالتحام يجعل محاولة فصل عنصر عن عنصر إتلافا للعنصرين معا .وهذا ما حدا بدو سوسير إلى اعتبار العلامة مثل الصفحة فأما الوجه فهو الدال .واما الظهر فهو المدلول (recto/verso) ومحاولة تمزيق وجه الصفحة تمزيق للظهر كذلك ،.ولتوضيح ذلك يمكن ادراج هذا النص لدو سوسير يقول :"إن الفكر هو وجه الصفحة recto بينما الصوت هو ظهرها verso ولا يمكن قطع الوجه دون أن يتم في الوقت نفسه قطع الظهر .وبالمثل في مضمار اللغة لا يمكن فصل الصوت عن الفكر ،او فصل الفكر عن الصوت اللهم إلا إذا قمنا من العزل والتجريد ، ولكننا عندئد لم نصل إلى علم نفس محض أو علم أصوات محض "5 .

العلامة إذن في رأي (دو سوسير) هي تكامل بين الدال والمدلول كان يتضح لنا ذلك من خلال النص الذي أوردناه في هذا الحديث .
أما أهمية الرمز في حياة الإنسان ،فقد جعلت البنيويين يهتمون به اهتماما كبيرا ،إذ يرجع ذلك أساسا إلى كون الرز مدار للتفسير من ناحية ، كما أنه يعتبر منبع كل ابداع انساني من نواحي أخرى ، واهتموا كذلك بالعلامات وبانسقتها ،وهذا الاهتمام لا يرجع إلى المدلول أو الدال بقدر ما يرجع إلى مستويات العلاقة بينهما 6*.

ويمكن القول أنها دوما اجتماعية لانها عبارة عن اصطلاحات صريحة او ضمنية يرجع سببها الى الاستعمال ،فيكون الرمز من اصل فردي كما هو الحال في اللعبة الفردية .7*من هذا المنطلق يتضح لنا أن التفرقة بين الرمز والعلامة تبدو عسيرة ومتعذرة ولا يمكن الفصل فيهما برأي قاطع ،وذلك راجع لطبيعة العنصرين ،واختلاف التصورات بينهما ،ولمفهومهما . وان أقررنا بأن ثمة فرق واضح بينهما ،وهو أن العلامة تبدو جلية ومحددة المعنى .في حين نجد أن الرمز يختلف عنها من وجهة الغموض ،والالتباس ،هذا الغموض الذي يرجع الى عالم معاني الانسان كما سبق الذكر في تعريف كاسيرر ،فإنه يعود الى اتساع دائرته الوظيفية لا من حيث الحكم فحسب بل كذلك من حيث الكيف ،كما يرجع الى انبثاق الرمز من شمولية لا نهائية .

وبما انه ينتمي الى عالم معاني الانسان فان الجامع بين الحيوان الناطق والرامز والحيوان غير المدرك ،هو اشتراكهما في جهازي الارسال والاستقبال والفارق بينهما هو الجهاز الثالث اي جهار الرمزالذي يمتلكه الانسان فضلا عن الجهازين الاخرين 8*

ولو افترضنا وجوده حتى عند الحيوان لتساوت مقدرة الكائنين من حيث الادراك والتفكير ،ولتساويا حتى في مرتبة التقدم الحضاري ،.
والثراء التواصليى، فالرمز اذن حفز حضاري ، وابداع انساني يتجاوز التو قيف والاصطلاح .

وفي هذا المجال سلك البعض في الرمز والعلامة مسلك التوحيد بينهما ويتضح ذلك في التعريف الذي اتى به يونج young رائد المدرسة النفسية اذ يقول ": هناك عمليات واضحة ولا تعبر عن معنى ،بحيث تبدو في الحقيقة مجرد نتائج خالصة ،او علامات بينما تحمل عمليات اخرى في طيياتها معنى مختفيا ،وهي تلك التي تنبثق من شىء ما ،ولكنها تنزع الى ان تكون شيئا معينا ،ومن ثم فانها تعد رموزا ويبقى حكمنا على الشيء الذي نبحث فيه ،بانه علامة او رمز متروك لحكمنا الذاتي .9*

فيونج لايقر برأي حاسم في مسألة التمييز بين الرمز والعلامة .اذ يترك الباب مفتوحا للنقد الذاتي لكل من اراد تمييزا معينا ،فمن أراد بالرمز العلامة كان له ذلك ومن كان له غيره فذلك شأنه ،وهذا في حقيقة الامر لا يبدو تعريفا يحسم في المسألة بالنسبة لهذا التائه في هذا المجال ،وهو عكس ما ذهب اليه كاسيرر في تعريفه السابق إيراده، والذي يتضمن شيئا من الحسم تبعا لكون الفارق بين الرمز والعلامة يتجلى في كون الأول يومئ إلى معاني لا تعرف بالعين المجردة وإنما يستلزم في ذلك سلوك المعرفة الحدسية للكشف عن ماهية الرمز ، وان دل هذا على شيء فانما يدل وبالأساس على كون الرمز ليس تشخيصا أو مماثلة لشيء معلوم ،اعتبارا لكونه رد اشارة الى اشياء مجهولة هذه الاشارة التي تتم بواسطة الإحالة التي تعتبر أفضل صياغة لهذه الأشياء المجهولة 10*.

في حين نجد أن العلامة عكس الرمز ،فهي لا تستدعي المعرفة الحدسية وذلك لأنها تشير إلى وقائع واقعية لا تخرج عن العملية الحسية ،كما أنها لا تخرج عن المشخص ولا ترقى إلى التعبير عن أشياء مجردة تعرف بالحدس ،واعتبارا لكون اللغة المنطوقة من شأن الإنسان وحده ، يتضح لنا بأن الرموز اللغوية المتحدث بها عبارة عن أصوات تنقلها حاسة السمع ،والرموز المكتوبة والمرئية تنقلها حاسة البصر ، وهو ما يسميه علماء الفسلجة بالمنظومة الاشارية التي يختص بها الانسان .11*

وان كان الامر كذلك فإن ما تعبر عنه هذه الرموز الصوتية واللغوية ولا تدرك بطبيعة الحال مباشرة أو تدرك بوسائل حسية بقدر ما تدرك بالحدس ، ولو لم يكن ذلك لكان كل صوت عبارة عن رموز ، وبالتالي يصبح الحيوان أيضا رامزا شأنه في ذلك شأن الانسان .

ويظهر ان الرمز يتسم بطبيعة مركبة على حد تعبير يونج ، وذلك لانه يتميز بكونه من جهة مطابق للعقل ، ومن جهة أخرى متعذر عليه ،فهو اذن معقول ولا معقول ، وهذا يقودنا إلى القول بأن الرمز لا شأن له بتاتا بكل ما هو عقلي تصوري ، ونلاحظ أن هناك رموز معطاة ،وهي تقليدية ورموز أخرى تتصف بالتطور والجدة 12*

فالرمز بمفهوم كارليل :"يكشف ويحجب في آن واحد أما الشيء الذي يحجبه هو ما ينطوي ويقاوم به كل شرح وايضاح ،واعتبارا لكونه مؤسس على التناظر الذي عزا بالفلاسفة الى وصفه بأنه بدائي وطفولي لا عقلي .
وهكذا يظل البحث في ماهية الرمز والعلامة عسيرا جدا وذلك يرجع لاختلاف وتباين التصورات لهذين العنصرين اللذين يتطابقان إلى الحد الذي يستحيل فيه الفصل بينهما ، كما أنهما يتباعدان تباعدا يجعل ادماج بعضهما البعض الآخر من قبيل الهدر والعبث .

خصوصا اذا اعترفنا ان الرمز من اعلى منجزات العقل البشري ،وذلك اذا ما اعتبرناه ذا جوانب مشتركة على مستوى الوظائف العقلية وكذلك العاطفية ، لأن الرمز ينبغي أن يكون معادلا للعواطف .
ونتوخى توضيخ كل ما قيل حول الرمز في النقطة التي تلي هذا التعريف أي " الرمز والتفكير البدائي " وذلك لأننا نريد الصدور في هذه الإشكالية ،المتعلقة بالرمز من أساسها الأول ،أي إبراز ها في جذور التفكير الإنساني مقتدين في ذلك بالرأي القائل بأن الرمز ابداع من صميم الثقافة الأسطورية ،لكونه نبع من الحدس ، الذي يتجاوز اللحظة الحاضرة ،أو التجربة المباشرة ، وهذا يدل على كون التفكير الإنساني البدائي كما سنرى ،يقع أسير الحدس وبالتالي يستقر في التجربة المباشرة 13*

لكون المستوى الحدسي للتجربة ، وإن كان ينبع منها ،فإنه يلجأ إلى تبسيطها بوسائل رمزية وأسطورية وفنية 14*

الانسان لا يختلف عن الحيوان في هذه القضايا فحسب ، بل نجد أنه يختلف عنه في كيفية الإدراك والتعبير ،فإذا كان الحيوان يعبرتعبيرا ذاتيا صرفا ،فإن الإنسان يسلك مسالك أخرى في كيفية التعبير هذه،اذ يكون تعبيره عن ذاته من خلال الموضوع أو من خلال الصورة والتمثيل المجسد أمامه 15*

فالإنسان إذن ليس ذلك الحيوان العاقل فحس بل هو المدرك للمجرد والمفكر والصانع للرمز والرامز في الوقت نفسه .وهذا دال على طبيعة العقل البشري وكيفية تكوينه المعقد غاية التعقيد ،وبما أن معرفته معرفة رمزية بالأساس ،فإنه يكون في حاجة الى الرمز للدلالة على شيء والاحالة على موقف من مواقفه النفسية والحياتية على السواء ،وخاية الرمز هي التي تطبع الفكر الانساني بالتطور والتجديد ،وتغني ثقافته وتثريها على جميع مستوياتها الحياتية ،الشيء الذي لا يمكن أن يتأتى للحيوان بأي حال من الأحوال .

والتركيز على كيفية الادراك عند الحيوان والإنسان عن طريق المقارنة في حد ذاته توكيد على مقارنة الرمز والعلامة ،لأن العلامة قاسم مشترك بينهما ،في حين يعتبر الرمز الحد الفاصل بين هذين المخلوقين في نوعية الإدراك والسلوك وإن أقررنا بأن الفارق الأساس بينهما هو اللغة الرمزية التي تعتبر -كما يرى دو سوسير - نسقا من العلامات ،وهذه المميزات مجتمعة أو متفرقة هي التي تجعل الإنسان الوحيد الممتلك لزمام الترميز ،الشيء الذي يجعل فكره مركبا ومعقدا فضلا عن معارفه الحسية وادراكه العقلي ،يتوفر على جهاز معقد هو جهاز الرمز الذ يثري فكره ويطبعه بطابع خاص .وبما أن الإنسان يتوفر على هذا الجهاز الثالث الذي يجعل منه حيوانا رامزا ،فإن هذا الجهاز هو الذي جعله يخلق اللغة ،هذه الاداة التي ساعدته على بناء حضارته وتقدمه الفكري والعلمي .
وأهم مايمكن ملاحظته هو أن الرمز كعنصر من عناصر التفكير البشري لا ينشأ بطريقة تلقائية .لأن نشأته مرتبطة اساسا بنزوع الإنسان إلى خلق علاقات بين تصنيفات المسميات 16*

هذه العلاقات التي تختلف وتتباين تبعا لنوعية التصور والتطور الفكري ،نجد أنها تنمحي بين الإسم والمسمى ،مثلا في التفكير البدائي وذلك لأن الإسم هو المسمى نفسه ،وهذا التداخل بين الإسم والمسمى لا يمكن الاقتصار عليه في التفكير البدائي فحسبى،بل نلاحظه حتى عند الطفل وذلك ناتج بطبيعة الحال عن تطابق العقلين . فالإسم في التفكير البدائي بهذا الإعتبار جزء لا يتجزأ من المسمى ،ويمكن إدراج هذا النص على سبيل الاستئناس :" إن البدائي يعامل إسم الشخص ،باعتباره جزءا جوهريا منه ،بحيث يبدو الإسم مطابقا للشخص تماما ،ولدينا بعض آنية من الفخار ،حفرعليها ملوك الأسرة الوسطى في القديمة أسماء بعض القبائل ،التي كانت تناصبهم العداء في فلسطين وليبيا والتوبة ،وقد حفر على تلك الأواني أسماء حكام القبائل المنشقة ،وأسماء بعض المتمردين من أهل مصر ،ومن المحتمل أن هذه الأواني ، قد هشمت عند ممارسة بعض الطقوس الجنائزية ،ولقد شعر المصريون القدماء بأن الضرر الحقيقي واقع لا محالة بالأعداء اذا ما حطمت الأواني التي تحمل أسماءهم 17*.

وهذا النوع من العلاقة بين الإسم والمسمى ،لا يبعد عن تفكير الطفل الذي يعتقد بأن الأشياء تملك أسماءها ماديا ،فكأن الجبل يملك إسمه قبل أن يسميه ،الناس وهم ينظرون إليه . لا نريد الإسهاب في الحديث عن الرمز في التفكير البدائي بقدر ما نود توضيح مدى الدوافع التي دفعت الإنسان إلى هذا السلوكى،الرمزي ،سواء كان بشعورمنه ،أو بدون شعور ،وسواء كان ذلك النزوع ناتجا عن ارادة واختيار ،أو كان الإنسان سالكا فيه مسلكا اضطراريا ،وإن أقررنا بأن الرمزية ذهنية من بنيات التفكير البشري ،لأنها ماثلة في شعوره ولا شعوره ،لأنها تنتمي إل عالم المعاني الخاص بالبشر دون غيره من الكائناتة،فالواقع الاجتماعي الذي يمارس فيه الانسان حياته من حيث هو مرتكز على التبادل والتواصل على مستوى العلاقات سواء بينه وبين غيره أو بينه وبين الظواهر الطبيعية يتبدى عنصر الرمز الذي يطبعه بطابع النظام الرمزي بما له من مقومات لا شخصية ولا زمانية ،18*.

انتهى

بقلم الاستاذ :~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~صالح هشام

●ملاحظة : هذه المقالة مأخوذة من فصل من رسالتي الجامعية للموسم الجامعي 1983/1984 ،لنيل شهادة الإجازة في الغة العربية وآدابها ، تحت اشراف الأستاذ حسن بحراوي / عنوان البحث : الرؤية الرمزية في الحكاية الشعبية بقبيلة السماعلة .

●المراجع والهوامش :
1-عاطف جودة نصر : الرمز الشعري عند الصوفية / ص21
2- د جعفر نوري : اللغة والفكر /ص56
3-د زكرياء ابراهيم : مشكلة البنية /ص56
4-المرجع نفسه /ص49
5-جان بياجيه : البنيوية ،ت عارف منيمنة وبشير أبري ص /90
6-المرجع نفسه ص/100
7-د نبيلة ابراهيم : الاسطورة /ص74
8-د عاطف جودة نصر : الرمز الشعري عند الصوفية ص/23
9- المرجع نفسه ص/20
10-د جعفر نوري :اللغة والفكر ص/56
11-د عاطف جودة نصر : الرمز الشعري عند الصوفية ص/117
12-المرجع نفسه ص/115
13-المرجع نفسه ص/28
14-المرجع نفسه ص/28
15-د نبيلة ابراهيم :الاسطورة ص/56
16-المرجع نفسه ص/71
17-د عاطف جودة نصر : الرمز الشعري عند الصوفية ص/29
18- د زكرياء ابراهيم :مشكلة البنية ص93
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مجلة حروف من الياسميبن *** " دراسات نقدية : إشكالية الرمز والعلامة " بقلم / صالح هشام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مجلة حروف من الياسمين :: االشعر والخواطر :: الخواطر-
انتقل الى: